حسن الأمين
275
مستدركات أعيان الشيعة
بندكين متوازيين بحيث يترك بينهما مربض للجمل ، ثم تشد ( البنادك ) بحبال ( البابير ) المنقوع بالماء ليلين ، ثم يؤتى بالجمال ليحمل كل جمل بندكين بعد بندكين ، ناقلا ( البنادك ) إلى البيادر وهذا ما يسمى باصطلاح القرية ( بالرجيدة ) . وقبل ذلك ، وقبل إطلال الصيف تكون تجارة الجمال قد راجت في كل القرى ، وتكون قوافل الجمال المعدة للبيع قد أصبحت تنتقل من قرية إلى قرية ليشتري الشارون ما يعدونه ( لرجد ) البنادك . . . وهذه القوافل يتاجر بها تجار متخصصون يذهبون كل عام قبيل الصيف إلى دمشق القريبة من البادية ، حيث يفد الأعراب بجمالهم إليها فيقفونها في أسواقها الخاصة في الميدان ، فيقبل التجار بأموالهم لشرائها ، ثم يعودون إلى الجبل كل بما اشترى فيدورون على القرى للبيع . . وقد كان للجمل شان أي شان في القرية ، فصاحب الجمل هو كصاحب الشاحنة اليوم ، فعلى جمله ( يرجد ) ، وعلى جمله تنقل الأغلال إلى صور وغير صور لتباع هناك إلى التجار ، ثم يعود الجمل محملا بما أعده أصحاب الدكاكين الصغيرة في القرية ، أو بما أوصى عليه غير أصحاب الدكاكين مما يسد حاجاتهم اليومية وغير اليومية . وصور هي أقرب ما يقصده الجمالون في الرحلات البعيدة وإلا فقصدهم صيدا مألوف وكذلك قصدهم بيروت . وحتى بعد شيوع استعمال السيارات ظل للجمل شانه حينا في الوصول إلى صيدا وبيروت ! . واليوم لا ( رجيدة ) بين الحقول والبيادر إلا في النادر النادر ، واليوم لا جمال تقطع الطريق بين شقرا وصور . بل اليوم لا رغاء للجمل يتعالى في دروب القرية وعلى بيادرها وفي حقولها ! . . بل نكاد نقول أن لا ( حليشة ) ولا ( حصيدة ) إلا في بعض حقول القرية وجزء من أرضها الواسعة . لأن الأرض لم تعد تسد بغلاتها حاجة الناس ، بعد أن تطور الناس وتطورت حاجاتهم ، ولأن الناس لا يستطيعون تطوير نتائج الأرض بوسائلهم الخاصة تبعا لتطور الحياة والحاجات ، ولأن الحكم والمسيطرين على الحكم ليسوا بالمستوى المخلص الواعي الذي ينهض بالأرض وأصحاب الأرض ! . لذلك هجرت الأرض وعادت بورا لا تمتد إليها يد بزرع ولا حصد ، والذين كانوا يعملون فيها ارتحلوا عنها إلى حيث يفتشون عن الرزق الأوسع فنجح بعضهم ولم ينجح أكثرهم ! . وحين ترسل ببصرك من شقرا نفسها فتتطلع اليوم إلى ( المنارة ) التي اشتراها اليهود وكانت بالأمس القريب قطعة من جبل عامل ! . كانت أرضا جرداء وحقولا لا تخضر إلا في الشتاء والربيع ، حين تتطلع إليها اليوم فترى العمارات المتلألئة والغابات النضيرة والأرض الشجيرة والمياه الغزيرة ، تراها كذلك في الصيف والشتاء والربيع والخريف ، تدرك من الحقائق ما يمزق نفسك أسى وأسفا ! . وتعلم ما جناه ويجنيه على الأمة من تسلطوا عليها حاكمين ، ومن وثبوا على رزقها متسلطين ، ومن تركوها للفقر غانمين ! . اليوم لا أغاني الفتيات تتعالى من بين ( أغمار ) العدس ، ولا شفاههن تتحرك صداحة من خلال ( شمائل ) ( الباقية ) ، ولا تلك الأودية تتجاوب باناشيد الهوى المكبوت مترنحة بارق الألحان ! . واليوم لا أهازيج للفتيان تدوي في السفح وعلى القمة وخلال الوادي ! . لقد عاد كل شيء صامتا أخرس ، وآبت الحياة إلى الهمود والركود ! . البيادر وفي البيادر تتجمع ( البنادك ) مثنى مثنى وتتراكم الواحد إلى جنب الآخر حتى تغص بها تلك البقعة التي كانت طوال العام خالية خاوية ، فإذا بها في الصيف تضج بالحركة والحيوية ، قد نصبت فيها خيام الرند ( الغوردل ) ، فسهر فيها الساهرون ونام النائمون . أما في النهار فان أصوات الصبيان على نوارجهم تملأ الآذان بترجيعها الحلو ، وقد جلس أو وقف كل واحد منهم على النورج وبيمناه مقود يوجه به الثورين ساحبي النورج ، وبيسراه عود يحركه على جلد الثور المتباطىء أو المتحرف ، حتى إذا مل رتابة الساعات أرسل في الجو صوتا رقيقا باهزوجة مخصوصة للبيادر بحيث تصلح للحوار ، فإذا سمعها جاره الأقرب رد عليها مقطعا بمقطع ! . حتى إذا أخذ وجه ( الطرحة ) بالاندراس جاء الرجال يقلبونها بالشواعيب ! . وكانت البيادر في شقرا يشغل معظمها القسم الشمالي من الأرض المتصلة بالعمران ، ويشغل بعضها القسم الغربي الجنوبي ، وبعضها وهو الأقل القسم الشمالي الشرقي . ولحكمة عملية أقيمت ( عين الناقة ) قريبة من البيادر الشمالية والشمالية الشرقية لتكون موردا للبقر العامل على البيادر الغربية أما البقر العامل على البيادر الشرقية الشمالية فيرد البركة . والبيادر الشمالية التي تشمل معظم زروع القرية ، وتقوم عليها أغلال كبار الفلاحين هي في الصيف ( برلمان ) القرية ودار الندوة فيها ، فهناك وسط البيادر وتحت الجوزة العريقة يلتقي الشيوخ وبعض الشبان فيتدارسون شؤون قريتهم إن كان هناك من شؤون ، ويتحادثون ويتنادرون إن لم يكن لديهم من شؤون . أما في الليل فحيوية القرية كلها تنتقل إلى البيادر ، إذ تعود خيامها مسكن الفلاحين الذين يحرسون فيها غلالهم . ولعل الأصح أن نقول أن حيوية القرية تتقاسمها في ليالي الصيف كل من البيادر والسحاري والكروم ، وهي في معظمها متقاربة متصلة ومن هنا كانت حياة هذه البراري في الصيف متشابكة متداخلة . وللبيادر الشرقية الشمالية هي الأخرى ندوتها ومجالسها ورجالها ، أما البيادر الشمالية الشرقية فلقلة من فيها ولقربها من الغربية فلا ندوة خاصة بها ، بل أن رجالها يشاركون الغربيين في ندواتهم ومجالسهم ! . لقد أدركت شيوخ القرية على البيادر الغربية وأدركت أمثالهم على البيادر الأخرى . وجالستهم وأنا صبي ويافع وشاب ، فربما نسيت كل المجالس والأندية وغابت عني مع الزمن كل الأصوات فيها وانطوت من ذهني كل الصور عليها . أما أولئك الشيوخ شيوخ شقرا ، ومجالسهم على البيادر وسامرهم في الحي ، فلن أنساهم أبدا ! ! .